الشيخ محمد هادي معرفة

481

التفسير الأثرى الجامع

مُبْصِرُونَ « 1 » . فالتعبير بالمسّ لا يراد به الإمساس أو اللمس مباشرة ، بل هي الوسوسة المقيتة المغربة . * * * قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا . . . أي ودليلا على تعسّفهم وخبطهم في الرأي أنّهم حسبوا من الربا نظيرا للبيع . في كونها تبادلا في المال . في حين أنّهم سفهوا في هذا القياس الباطل ( مع الفارق ) حيث البيع هي تنمية المال بمبادلة السّلع ترفيها وتوسعة على العباد . أمّا الربا فليس سوى تنمية المال بعين المال ، تضييقا على العباد . وَ من ثمّ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا . واللّه تعالى لا يحلّ شيئا إلّا ويكون فيه صلاح للناس ومنافع . ولا يحرّم شيئا إلّا ويكون فيه الفساد والدمار : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ « 2 » . فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ، فمن جاءته هذه العظة وانتهى عن شنائعه ، فله ما سلف ، وأمره فيما تعاطى من الحرام إلى اللّه ، إن كان صادقا في إيمانه ، نصوحا في توبته ، فسوف يغفر اللّه له . ولكن وَمَنْ عادَ إلى مآثمه الأولى فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ حيث العودة إلى الكفر من أشدّ الكبائر الموجبة للبعد من رحمته تعالى أبديّا . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ « 3 » . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا « 4 » . وكيف يكون الربا نظير البيع ، في حين أنّ في الربا مفسدة جاهرة ، وفي البيع منفعة شاملة . كما لا يقاس الربا بالصدقة الّتي هي منحة وسماحة ، على عكس الربا الّذي فيه التضايق والعسرة . يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ . هذا بالنظر إلى الجوامع البشريّة ، فتزداد نشاطا وحيويّة ، إذا ما ساد فيها روح الأريحيّة ، والتعاضد والتكافل الاجتماعي العامّ . فتزداد بركة في الأموال وبهجة وانبساطا في النفوس . أمّا إذا كان التكالب على الحطام هو السائد على النظام ، فلا يزدادون سوى الشره والتقاعس والانهيار . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ . كفّار لأنعمه تعالى ، أثيم في تصرّفاته الغاشمة .

--> ( 1 ) الأعراف 7 : 201 . ( 2 ) الأعراف 7 : 157 . ( 3 ) آل عمران 3 : 90 . ( 4 ) النساء 4 : 137 .